ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
60
حجة الله البالغة
محدودة ومحصاة ، وَهَذَا التَّمْثِيل هُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ الأشاعرة بالْكلَام النَّفْسِيّ ، وَهُوَ غير الْعلم وَغير الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة ، ثمَّ لما جَاءَ وَقت خلق الْمَلَائِكَة علم الْحق أم مصلحَة أَفْرَاد الْإِنْسَان لَا تتمّ إِلَّا بنفوس كَرِيمَة ، نسبتها إِلَى نوع الْإِنْسَان كنسبة القوى الْعَقْلِيَّة فِي الْوَاحِد منا إِلَى نَفسه ، فأوجدهم بِكَلِمَة ( كن ) بمحض الْعِنَايَة بأفراد الْإِنْسَان فأودع فِي صُدُورهمْ ظلا من تِلْكَ الْعُلُوم المحدودة المحصاة فِي غيب غيبه ، فتصورت بِصُورَة روحية ، وإليهم الْإِشَارَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى : { الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله } . الْآيَة . ثمَّ لما جَاءَ بعض القرانات المقتفية لتغيير الدول والملل ، قضى بِوُجُود روحاني آخر لتِلْك الْعُلُوم ، فَصَارَت مشروحة مفصلة بِحَسب مَا يَلِيق بِتِلْكَ القرانات ، وإليها الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم } . ثمَّ انتظرت حِكْمَة الله لوُجُود رجل زكي يستعد للوحي قد قضى بعلو شَأْنه وارتفاع مَكَانَهُ حَتَّى إِذا وجد اصطنعه لنَفسِهِ ، واتخذه جارحة لإتمام مُرَاده وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه ، وَأوجب طَاعَته على عباده ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : { واصطنعتك لنَفْسي } فَمَا أوجب تعْيين تِلْكَ الْعُلُوم فِي غيب الْغَيْب إِلَّا الْعِنَايَة بالنوع ، وَلَا سَأَلَ الْحق فيضان نفوس الْمَلأ الْأَعْلَى إِلَّا استعداد النَّوْع ، وَلَا ألح عِنْد القرانات بسؤال تِلْكَ الشَّرِيعَة الْخَاصَّة إِلَّا أَحْوَال النَّوْع ، فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة . " فَإِن قيل " من أَيْن وَجب على الْإِنْسَان أَن يُصَلِّي ، وَمن أَيْن وَجب عَلَيْهِ أَن ينقاد للرسول ، وَمن أَيْن حرم عَلَيْهِ الزِّنَا وَالسَّرِقَة ؟ " فَالْجَوَاب " وَجب عَلَيْهِ هَذَا ، وَحرم عَلَيْهِ ذَلِك من حَيْثُ وَجب على الْبَهَائِم أَن ترعى الْحَشِيش ، وَحرم عَلَيْهَا أكل اللَّحْم ، وَوَجَب على السبَاع أَن تَأْكُل اللَّحْم ، وَلَا ترعى الْحَشِيش ، وَمن حَيْثُ وَجب على النَّحْل أَن يتبع اليعسوب إِلَّا أَن الْحَيَوَان اسْتوْجبَ تلقي علومها إلهاما جبليا ، واستوجب الْإِنْسَان تلقي علومه كسبا ونظرا ، أَو وَحيا ، أَو تقليدا . ( بَاب اقْتِضَاء التَّكْلِيف المجازاة ) اعْلَم أَن النَّاس مجزيون بأعمالهم ، إِن خيرا فَخير ، وَإِن شرا فشر من أَرْبَعَة وُجُوه :